ابن تيمية

18

منهاج السنة النبوية

الْمَحْبُوبُ الْمُتَشَبَّهُ بِهِ لِمُحِبِّهِ الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُحْدِثَ لِتَصَوُّرَاتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَحَرَكَاتِهِ . فَقَوْلُهُمْ فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ فِي أَفْعَالِ ( 1 ) الْحَيَوَانِ ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : حَرَكَةُ الْفَلَكِ هِيَ سَبَبُ الْحَوَادِثِ . فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ : إِنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا تَحْدُثُ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا . وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ . وَهُمْ جَعَلُوا الْعِلْمَ الْأَعْلَى وَالْفَلْسَفَةَ الْأُولَى هُوَ الْعِلْمَ الْبَاطِنَ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ ، وَقَسَّمُوا الْوُجُودَ إِلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ ، ثُمَّ قَسَّمُوا الْأَعْرَاضَ إِلَى تِسْعَةِ أَجْنَاسٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا إِلَى خَمْسَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ لَهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَصْرِ . وَقَسَّمُوا الْجَوَاهِرَ ( 2 ) إِلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ : الْعَقْلُ ، وَالنَّفْسُ ، وَالْمَادَّةُ ، وَالصُّورَةُ ، وَالْجِسْمُ . وَوَاجِبُ الْوُجُودِ تَارَةً يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا ، وَهُوَ قَوْلُ قُدَمَائِهِمْ كَأَرِسْطُو وَغَيْرِهِ ، وَتَارَةً لَا يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ سِينَا . وَكَانَ قُدَمَاءُ الْقَوْمِ يَتَصَوَّرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أُمُورًا عَقْلِيَّةً ، فَيَظُنُّونَهَا ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ ، كَمَا يُحْكَى عَنْ شِيعَةِ فِيثَاغُورْسَ وَأَفْلَاطُونَ ( 3 ) ، وَأَنَّ أُولَئِكَ أَثْبَتُوا أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً فِي الْخَارِجِ ، وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ ، وَهِيَ الْكُلِّيَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْأَعْيَانِ ، وَأَثْبَتُوا الْمَادَّةَ الْمُجَرَّدَةَ ، وَهِيَ الْهَيُولَى الْأَوَّلِيَّةُ ، وَأَثْبَتُوا الْمُدَّةَ

--> ( 1 ) س ، ب : أَحْوَالِ . ( 2 ) م : الْجَوْهَرَ . ( 3 ) ن ، س : وَأَفْلَاطِنَ .